السيد ثامر العميدي

192

حياة الشيخ محمد بن يعقوب الكليني

في فراشه إلى الحائط ، وكان ابنه الحسن بن القاسم مدمناً على شرب الخمر ، وكان متزوّجاً إلى أبي عبداللَّه بن حمدون الهمدانيّ ، وكان جالساً ورداؤه مستور على وجهه في ناحية من الدار ، وأبو حامد في ناحية ، وأبو عليّ بن جحدر وأنا وجماعة من أهل البلد نبكي ، إذ اتّكأ القاسم على يديه إلى خلف وجعل يقول : يا محمّد يا عليّ يا حسن يا حسين ، يا مواليّ كونوا شفعائي إلى اللَّه عزّ وجلّ ، وقالها الثانية ، وقالها الثالثة . فلمّا بلغ في الثالثة : يا موسى يا عليّ تفرقعت أجفان عينيه كما يفرقع الصبيان شقائق النعمان ، وانتفخت حدقته ، وجعل يمسح بكمّه عينيه ، وخرج من عينيه شبيه بماء اللّحم ، ومدّ طرفه إلى ابنه ، فقال : يا حسن إليّ ، يا أبا حامد إليَّ ، يا أبا عليّ إليّ ، فاجتمعنا حوله ونظرنا إلى الحدقتين صحيحتين ، فقال له أبو حامد : تراني ؟ وجعل يده على كلّ واحد منّا ، وشاع الخبر في الناس والعامّة ، وأتاه الناس من العوامّ ينظرون إليه . وركب القاضي إليه وهو أبو السائب عتبة بن عبيداللَّه المسعوديّ وهو قاضي القضاة ببغداد « 1 » ، فدخل عليه فقال له : يا أبا محمّد ، ما هذا الّذي بيدي ؟ وأراه خاتماً فضّة فيروزج ، فقرّبه منه فقال : عليه ثلاثة أسطر فتناوله القاسم رحمه الله فلم يمكنه قراءته وخرج النّاس متعجّبين يتحدّثون بخبره ، والتفت القاسم إلى ابنه الحسن فقال له : إنّ اللَّه منزّلك منزلة ومرتّبك مرتبة ، فاقبلها بشكر ، فقال له الحسن : يا أبه قد قبلتها ، قال القاسم : على ماذا ؟ قال : على ما تأمرني به يا أبه ، قال : على أن ترجع عمّا أنت عليه من شرب الخمر ، قال الحسن : يا أبه وحقّ من أنت في ذكره لأرجعنّ عن شرب الخمر ، ومع الخمر أشياء لا تعرفها ، فرفع القاسم يده إلى السماء وقال : اللّهم أَلْهِم الحسن طاعتك ، وجنّبه معصيتك ثلاث مرّات ، ثمّ دعا بدرج فكتب وصيّته بيده رحمه الله وكانت الضياع الّتي في يده لمولانا وقف وقفه أبوه .

--> ( 1 ) . ترجم له الذهبي في سِيَر أعلام النبلاء : ج 16 ص 47 الرقم 32 ، مصرّحاً بأنّه تقلّد القضاء أوّلًا في مراغة ، ثمّ بَعُدَصيته فَقُلِّدَ قضاء ممالك آذربيجان ، ثمّ ولي بعد ذلك قضاء هَمَذَان ، ثمّ قدم بغداد فولي قضاء العراق ( سنة / 338 ه ) ، ومنه يُعلم أنّ عبارة ( وهو قاضي القضاة ببغداد ) أي : في زمان حكاية الخبر ، لا في زمان حدوثه ، فلاحظ .